يشهد قطاع التأمين محلياً وعالمياً تحولاً جذرياً ومصيرياً، مغادراً المنهجيات التقليدية التي طالما اعتمدت على “المنتجات النمطية الموحدة” التي تخاطب شرائح واسعة دون اعتبار للفروق الفردية. اليوم، تتربع استراتيجية “التأمين القائم على احتياجات العملاء” على عرش الأولويات، مدفوعةً بالقفزات الهائلة لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، لتصبح التجربة التأمينية أكثر سرعة، مرونة، وتخصيصاً من أي وقت مضى.
من بيع “المنتج” إلى تلبية “الاحتياج الفردي”
ارتفعت توقعات العملاء في العصر الرقمي بشكل غير مسبوق؛ فلم يعد العميل يتقبل دفع أقساط لتغطيات لا تمس واقعه الفعلي. وهنا تكمن النقلة النوعية التي يحققها الذكاء الاصطناعي، حيث تتولى الخوارزميات المتقدمة تحليل كميات هائلة من البيانات السلوكية والديموغرافية والمعيشية، لتقديم حلول تأمينية مفصّلة على مقاس كل عميل.
هذا التحول لا يقتصر على تحسين الكفاءة التشغيلية، بل يعيد هندسة رحلة العميل التأمينية برمتها عبر أربع محطات رئيسية:
المشورة والتوصية: توجيه العميل بدقة نحو التغطيات التي تمنحه القيمة الحقيقية استناداً إلى مستوى مخاطره الفعلي ونمط حياته.
الاكتتاب والشراء: تبسيط الإجراءات بشكل لافت، وإصدار العروض الفورية بعد تقييم المخاطر بذكاء وشفافية مطلقة.
خدمات ما بعد البيع: تواصل دائم ومخصص على مدار الساعة عبر المساعدات الافتراضية وروبوتات الدردشة الذكية التي تفهم السياق التاريخي لكل عميل.
إدارة المطالبات: النقطة الأكثر حساسية، حيث تتدخل الأنظمة الآلية لمراجعة الوثائق وتقييم الأضرار، مما يقلص أزمنة الانتظار ويضمن صرف التعويضات بأعلى درجات السرعة والعدالة.
أرقام متصاعدة: سوق المليارات الذكية
تنعكس هذه التحولات بوضوح في مؤشرات النمو العالمي لسوق الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين؛ إذ يُقدر حجم السوق بنحو 19.60 مليار دولار في عام 2025، ليرتفع إلى 26.30 مليار دولار في عام 2026، وسط توقعات مذهلة بأن يبلغ 114.52 مليار دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يصل إلى 34.20%. وتأتي هذه الطفرة مدفوعة بتوجه الشركات نحو تحديث بنيتها السحابية لدعم التسعير اللحظي والاتخاذ الفوري لقرارات المطالبات.
نماذج عالمية تلهم السوق
تؤكد الشواهد الدولية أن دمج الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية، بل ميزة تنافسية فاصلة:
تجربة شركة Aviva البريطانية: نجحت في توظيف أكثر من 80 نموذجاً ذكياً لإدارة المطالبات، مما أدى إلى خفض مدة التقييم والمراجعة بمقدار 23 يوماً، وتحسين دقة التوجيه بنسبة 30%، فضلاً عن تقليص شكاوى العملاء بنسبة 65%.
تجربة مجموعة Ping An الصينية: طورت منظومة ذكاء اصطناعي متكاملة تجمع بين التأمين والخدمات المالية والرعاية الصحية، لتُصدر قرارات الاكتتاب لوثائق الحياة بصورة فورية، وتتم تسوية بعض المطالبات خلال دقائق معدودة.
رؤية استراتيجية من الاتحاد المصري للتأمين
على الصعيد المحلي، يرى اتحاد شركات التأمين المصرية أن تبني نماذج التأمين القائم على احتياجات العملاء يمثل ضرورة ملحة لرفع تنافسية القطاع وتعزيز الشمول التأميني. ويؤكد الاتحاد أن الاستثمار في القدرات التقنية والبشرية، مع الحفاظ على معايير حماية البيانات والشفافية ومواجهة تحديات التحيز الخوارزمي أو “هلوسة الذكاء الاصطناعي”، يظل الضمانة الحقيقية لبناء علاقات مستدامة تقوم على الثقة، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.