نرمين نبيل
كرة القدم ليست مجرد أهداف وتمريرات وإحصائيات. هناك أشياء لا تستطيع الأرقام قياسها مهما بلغت دقتها. الروح والثقة والقدرة على جعل فريق كامل يؤمن بأنه يستطيع الفوز. وهذه كانت قيمة ليونيل ميسي في هذا المونديال.
قد يكون رودري قدم بطولة استثنائية واستحق الإشادة لكن إذا كان هناك لاعب جسد معنى الأكثر تأثيرا داخل الملعب وخارجه فهو ميسي.
لم يكن قائدا يحمل شارة القيادة فقط بل كان القلب النابض للأرجنتين. كلما تعقدت المباراة كانت الأنظار تتجه إليه. ليس لأنه سيحرز هدفا في كل مرة بل لأن مجرد وجوده كان يمنح زملاءه ثقة إضافية ويمنح الجماهير إيمانا بأن كل شيء ما زال ممكنا.
هذا التأثير لا يظهر في جداول الإحصائيات لكنه يظهر في لغة الجسد وفي الحماس وفي إصرار اللاعبين على القتال حتى الدقيقة الأخيرة. عندما يكون القائد هادئا يصبح الفريق أكثر هدوءا وعندما يؤمن بنفسه تنتقل هذه الثقة إلى الجميع.
كما أن ميسي لم يكن مجرد صانع للفرص أو هدافا في اللحظات الحاسمة بل كان لاعبا يتحمل المسؤولية عندما تكون الضغوط في أعلى مستوياتها. في المباريات الصعبة كان يبحث دائما عن الحلول سواء من خلال تمريرة حاسمة أو تسديدة أو حتى تحفيز زملائه داخل الملعب. هذه الصفات هي ما تجعل اللاعب الكبير مختلفا عن غيره.
ولم يكن تأثيره مقتصرا على منتخب الأرجنتين. أينما لعب امتلأت المدرجات بمشجعين جاءوا فقط لمشاهدته. أطفال ارتدوا تيشرت الأرجنتين الذي يحمل اسمه وعائلات قطعت آلاف الكيلومترات لرؤية لحظة قد تكون الأخيرة له في كأس العالم. قليلون هم اللاعبون الذين يستطيعون صناعة هذه الحالة الإنسانية حول كرة القدم.
إضافة إلى ذلك فإن مسيرة ميسي الطويلة جعلت من هذه البطولة لحظة خاصة بالنسبة للكثيرين. فقد كان يحمل حلم تحقيق اللقب العالمي ليس لنفسه فقط بل لجماهير كاملة انتظرت هذه اللحظة سنوات طويلة. قدرته على تحويل الضغط الكبير إلى دافع للنجاح كانت دليلا على شخصيته الاستثنائية كلاعب وقائد.
وربما لهذا السبب تحديدا فإن ميسي ليس في حاجة إلى جائزة تثبت قيمته. فهناك لاعبون تصنعهم الجوائز وهناك لاعبون يمنحون الجوائز قيمتها. ميسي من الفئة الثانية. فسواء حمل الكأس أو لم يحملها وسواء نال جائزة أفضل لاعب أو ذهبت إلى غيره فإن اسمه سيظل حاضرا في ذاكرة الجماهير بوصفه أحد أعظم من لمس الكرة. هو الإضافة لأي كأس وليس الكأس هي التي تضيف إليه.
وهناك نقطة لا تقل أهمية وهي أن تقييم بطولة كاملة لا ينبغي أن يبنى على المباراة النهائية وحدها خاصة إذا كان اللاعب قد وصل إليها بعد مجهود بدني وذهني هائل على مدار البطولة. ميسي خاض مباريات صعبة وحمل على عاتقه مسؤولية قيادة منتخب كامل حتى النهائي. ومن الطبيعي أن يظهر عليه الإرهاق في آخر مباراة لكن ذلك لا يمحو ما قدمه طوال المشوار. الجوائز الفردية يفترض أن تقيم البطولة بأكملها لا تسعين دقيقة فقط.
ولو كان الحكم على الجائزة سيتم بناء على المباراة النهائية فقط لكان من المنطقي أن ينافس عليها أيضا إيميليانو مارتينيز بعد الأداء الكبير الذي قدمه في النهائي وتصديه لعدد هائل من الفرص. لكن أحدا لا يقول إن مباراة واحدة تكفي لتحديد أفضل لاعب في بطولة امتدت لأسابيع. لذلك فمن غير المنطقي أيضا أن تختزل بطولة ميسي كلها في آخر تسعين دقيقة بينما ما قدمه منذ المباراة الأولى وحتى النهائي كان أحد أهم أسباب وصول الأرجنتين إلى هذا الدور.
قد يختلف كثيرون مع هذا الرأي وهذا أمر طبيعي في كرة القدم لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن ميسي لم يكن مجرد لاعب في هذه البطولة بل كان قائدا ألهم فريقه وجماهيره وترك أثرا سيظل حاضرا حتى بعد انتهاء المونديال. لقد أثبت أن قيمة اللاعب لا تقاس فقط بما يقدمه في الأرقام بل بما يتركه من تأثير وذكريات لا تنسى. بعض الأساطير لا تحتاج إلى الجوائز لتثبت قيمتها لأنها ببساطة هي التي تمنح الجوائز قيمتها.