نرمين سليمان
لا أعتقد أن هناك شعورًا أشد ثقلاً على النفس من تلك اللحظة التي تكتشفين فيها أنكِ لستِ الخيار الأول في حياة شخص تمنحينه أثمن ما لديكِ: اهتمامكِ، ووقتكِ، وصادق مشاعركِ.
مررتُ كثيراً وتأملتُ في تلك الدائرة المفرغة؛ شخص يراسلنا فقط عندما يشعر بالملل، يتقرب منا كلما احتاج إلى منافذ للاستماع، ثم يختفي فجأة بمجرد أن يجد ما يشغل وقته. في تلك اللحظات، تشعرين بأنكِ حاضرة في حياته.. ولكن بالتأكيد ليس في المكانة التي تستحقينها.
في الماضي، كان السؤال الأول الذي يخطر بالبال هو: «كيف أقهره؟».. لكن مع الوقت والوعي، أدركتُ أن هذا السؤال خاطئ تماماً. السؤال الأهم والوحيد الذي أعدتُ صياغته في حياتي هو: «كيف أحافظ على كرامتي وأرفض أن أكون مجرد ملءٍ للفراغ؟»
ومن واقع تجربتي ورؤيتي، هذه هي المبادئ التي أعدتُ بها رسم حدودي:
1. توقفتُ عن قبول العلاقات بشروط الطرف الآخر
أدركتُ أن الشخص الذي يتواصل متى أراد، ويختفي متى أراد، ويجدني دائماً في انتظاره.. لا يفعل ذلك لأنني قليلة القيمة، بل لأنه لم يجد مني سداً أو حداً يمنعه. العلاقات الصحية في نظري لا تُبنى على طرف يمتلك التوقيت وطرف آخر ينتظر، بل تقوم على الندّية والاحترام المتبادل.
2. تعلمتُ ألا أطارد اهتمام أحد
إذا اختفى شخص من حياتي، كففتُ عن استهلاك طاقتي في معرفة أين ذهب، ولم أعد أرسل تلك الرسائل المتكررة لألفت انتباهه. تعلمتُ قاعدة بسيطة لكنها صارمة: من يريد التواصل، سيجد حتماً طريقة لذلك. أما المطاردة المستمرة فلا تصنع اهتماماً، بل تكسر الكبرياء وتُضاعف الإرهاق النفسي.
3. جعلتُ حياتي أكبر وأوسع من أي علاقة
قررتُ ألا يتوقف يومي على تنبيه رسالة هاتفية. اخترتُ أن أستثمر وقتي وطاقتي في نفسي، في عملي، في طموحي، وفي دائرتي الداعمة. عندما أصبحت حياتي مليئة بالأهداف الحقيقية، لم يعد لديّ دقيقة واحدة لأجلس فيها على منصة الانتظار لشخص يراني مجرد خيار ثانٍ.
4. صرتُ أراقب الأفعال.. فمَن يحبكِ يصنع لكِ الوقت
الأعذار سهلة الصياغة والتبرير، لكن الأفعال المتكررة هي الحقيقة المجردة. أصبحتُ أسأل نفسي بوضوح: هل يقتطع هذا الشخص وقتاً لي وسط ازدحامه، أم أكون دائمًا في الهامش؟ فالفرق جوهري بين مَن يمنحكِ فضلة وقته إذا تفرّغ، وبين مَن يُفرغ وقته خصيصًا لأجلكِ لأنه يحبكِ. الأفعال هي الميزان الوحيد للصدق.
5. لم أعد أخاف من وضع الحدود
من حقكِ -ومن حقي- أن نوضح بهدوء وباحترام ما يناسبنا وما لا يناسبنا. وإذا استمر التجاهل، فمن حقنا الأصيل أن ننسحب. لقد فهمتُ أخيراً أن وضع الحدود ليس عقاباً للآخرين.. بل هو أعلى درجات الاحترام للنفس.
6. شطبتُ كلمة «الانتقام» من قاموسي
الرغبة في إثارة ندم الآخرين تربطنا بهم أكثر وتجعلنا أسارى في دائرهم. أقوى رد تعلمتُه ليس أن أجعله يندم، بل أن أبني حياة مزدهرة وقوية لا تتأثر بحضوره أو بغيابه.. حياة يكون تركيزي فيها على سعادتي وسلامي الداخلي فقط.
كلمة أخيرة من القلب:
إذا وضعكِ أحدهم في قائمة الاحتياط، فلا تتنافسي أبداً على مقعد في حياته. الشخص الذي يقدركِ ويحبكِ بحق، سيتنازل عن كبريائه ويضع وقته وأولوياته من أجلكِ، ولن يجعلكِ تشعرين أبداً أنكِ تنتظرين دوركِ؛ فمن يريدكِ بصدق، سيُظهر ذلك في اهتمامه المباشر، ووضوحه، واحترامه المطلق لكِ.